ابن عجيبة
403
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَخُضْتُمْ في الباطل كَالَّذِي خاضُوا أي : أو كخوضهم ، أو كالخوض الذي خاضوه ، وقيل : كالذين خاضوا فيه ، فأوقع الذم على الجمع . أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي : لم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين ، وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ؛ الكاملون في الخسران ، خسروا الدنيا والآخرة . الإشارة : ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين ؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويمدّون أيديهم بالعطاء والإيثار ، ويذكرون اللّه على سبيل الاستهتار ، حتى يذكرهم برحمته . ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار ، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة ، وحلاوة المشاهدات ، وبلطائف العلوم والمكاشفات ، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من اللّه في الدنيا والآخرة ، وأولئك هم الفائزون . ثم هدد المنافقين بإهلاك من قبلهم ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 70 ] أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) يقول الحق جل جلاله ، في شأن المنافقين : أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ : خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، كيف دمرهم اللّه وأهلكهم ، حيث خالفوا رسلهم ، قَوْمِ نُوحٍ ؛ أغرقهم بالطوفان ، وَ قوم عادٍ ؛ أهلكهم بالريح ، وَثَمُودَ ؛ أهلكهم بالصيحة ، وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ ؛ أهلك نمرود ببعوض ، وأهلك أصحابه به ، أرسل عليهم سحابة من البعوض فخرطتهم ، ودخلت بعوضة في دماغه فأكلت دماغه ، حتى هلك ، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ ، وهم قوم شعيب ، أهلكوا بالنار يوم الظلة ، وَالْمُؤْتَفِكاتِ ؛ مدائن قوم لوط ، ائتفكت بهم ، أي : انقلبت ، فصار عاليها سافلها ، وأمطروا حجارات من سجيل . أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ أي : كل واحدة منهن أتاها رسول بِالْبَيِّناتِ ؛ بالمعجزات الواضحة ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي : لم يكن من عادته ما يشابه ظلم الناس ، كالعقاب بلا جرم . وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ؛ حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب . الإشارة : ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يتحرى مواطن الهلكة ، فيجتنبها بقدر الإمكان ؛ فينظر ما فعل اللّه بأهل المخالفة والمعاصي ، فيهرب منها بقدر إمكانه ، وينظر ما فعل بأهل طاعته وطاعة رسوله من النصر والعز في الدارين ، فيبادر إليها فوق ما يطيق ، ويعظم الرسل ، ومن كان على قدمهم ممن حمل الأمانة بعدهم ، ويشد يده على صحبتهم وخدمتهم ؛ فهذا يسعد سعادة الدارين . وبالله التوفيق .